السبت، أكتوبر 18، 2008

هل تنسحب أمريكا من أفغانستان؟


شبكة البصرة
حكمت ناظم
· الضربة الأمريكية في أفغانستان.. جاءت لأهداف ستراتيجية بعيدة المدى.
· والأهداف الأستراتيجية.. هي لمنع ظهور التعددية القطبية في الأساس.
· والإنسحاب من أفغانستان.. يعجل في ظهور التعددية القطبية.
· أمريكا تعيش مأزقها في أفغانستان والعراق.. وتفتش عن تسويات في الأولى!!

المدخل :
ثمة مغالطة يمكن رصدها تتربع فعل السياسة الخارجية الأمريكية، تخفي معناً معيناً وكأن الهجوم الأمريكي الصاعق على أفغانستان جاء (كرد فعل) لفعل الحادي عشر من سبتمبر- ايلول 2001. بمعنى، لو لا الحادي عشر من سبتمبر لما حدث فعل إحتلال أفغانستان ومن ثم العراق؟!
والمغالطة هذه تعكس أيضاً، وكأن أمريكا لم يكن في نيتها، أو إنها لم تكن ترغب في الحرب، فهي مسالمة ووديعة ولم تكن إمبريالية في تطلعاتها، كما أنها معتدى عليها في عقر دارها، وأن تاريخها نظيف عفيف يخلو من حرب الإبادة وجرائم ضد الإنسانية!!

هكذا جاءت المغالطة لترتب وضعاً فكرياً وتفسياً مؤطراً في نطاق إستراتيجي لم يكن وليد اليوم، ولا عقد من السنين أو إثنين، أنتج صورة للعالم من خلال قرآءة معينة للتاريخ وبناء الأحداث التي راكمتها الإنسانية على وفق صورة، لكنها صورة متخيلة بالأساس مترسبة في أعماق لآوعيه الحضاري، تزعم أن الغرب هو صانع قيم الحداثة والحضارة ومالكها، وهذا ما يمنحه (حقوقاً) على بقية الشعوب وفي مقدمتها قيادة العالم، وواجبات وعلى رأسها إرغام الشعوب الأخرى، بالترغيب والترهيب، على تبني قيمه والسير في أثره. بمعنى، أن أمريكا والغرب يريدان مسخ وجود الشعوب والأمم وإنتزاع هويتها القومية، وإستلاب حقوقها في وجودها القومي. وهنا يفرض النمط الإمبريالي الأمريكي على الإنسانية خيارين لا ثالث لهما، إما الدخول طواعية في حلبة التنافس صوب خط النهاية للفوز بقيم الحداثة والحضارة، ويتم ذلك عن طريق العولمة في بعدها الثقافي والأقتصادي، وإما الدخول الى الحلبة ذاتها عن طريق القوة والتهديد بإستخدامها. والإطروحة هذه ـ التي تتعامل بإسلوب القوة تأتي في صيغة برنامج عمل وتخطيط إستراتيجي للقطبية الأحادية الأمريكية في القرن الجديد!!

ولأن الهيمنة على العالم في العصر الأمبريالي الجديد، لم تأت كرد فعل على حدث ما، إنما هو بحاجة الى حدث ما للحشد، والحزم، والحسم. وعلى هذا، وضعت أمريكا مخططات تمهد لأعادة صياغة المنطقة العربية والأسلامية، وقلب آسيا، فيما سارعت الشركات وسماسرة الأمبراطورية الأمريكية بتقديم مشاريع إعادة بناء أفغانستان والعراق قبل أن تنطلق عمليات تدميرهما (فالآلة العسكرية الأمريكية تدمر وتسحق لتفتح الطريق للشركات الأمريكية وسماسرتها الذين يعرضون خدماتهم لتعمير ما خربته الحرب)!!

ذلك هو المنهج الإمبريالي الذي يتضمن سلوكاً وحشياً عاماً يكاد أن يطبق في كل مكان إذا سمحت بذلك الظروف وسنحت الفرص.. والمفارقة في هذا الأمر الأكثر خطورة، هي أن إعادة الإعمار، هو إعادة صياغة المجتمع العراقي سياسياً وإجتماعياً وثقافياً، على وفق نظام قيم الأمبراطورية الأمريكية من أجل إخضاع هذا المجتمع لعمليات التفكيك المدروسة على نحو غير مسبوق. ويبدو أن هذا الأمر لن يكون مقتصراً على العراق بل سيشمل كل المجتمعات العربية والإسلامية المشمولة بإجراءات الإخضاع والتحويل.. فالأمر إذن، كان يتطلب رصد وكشف معاقل صناعة القوة ومصادر إنتاج القيم ليتم بعد ذلك ضربها وتفكيكها، ليتم ايضاً إنتاج مجتمعات منزوعة الإرادة ومجردة من أسلحتها الرمزية التي بها تضفي على شخصيتها الهوية والمعنى.. وكان العراق في مقدمة القائمة.
وقد عمدت المخططات الغربية، وفي كل مرة أرادت أن تقتحم على الآخر مجاله الحيوي وثقافته الى تقديم مشروع يسوٌغ هذا الأقتحام.. فبعد مشروع الحضارة والتقدم، جاءت مشاريع التنمية، والديمقراطية، وحقوق الأنسان، ولعلٌ المشترك بين هذه المشاريع هو كونها تعتمد الهدم من أجل إعادة البناء سواء تعلق الأمر بتهديم البنى التحتية أو بنية المجتمع وحتى الأنسان، وهو أخطر أنواع التهديم.
الأمبريالية تتصور إنها بسهولة تستطيع أن تهدم الدولة وتهدم الأنسان معاً، ثم تعيد بنائهما، وتلك نظرة إجرامية وخبيثة، فالإنسان، وإن حُكِمَ بالقوة فلن يستسلم للآخر ويقاوم بكل الوسائل الممكنة والمتاحة بما فيها الإستشهاد في سبيل الله.
فالضربة الأمريكية في أفغانستان والعراق، كانتا، وكما أوحتا، وكأنها رد فعل على أحداث الحادي عشر من سبتمبر- ايلول2001، وهذا ليس صحيحاً.. والصحيح هو أن الضربة العسكرية العدوانية هذه ذات طابع إستراتيجي بعيد المدى أعدت لها أمريكا قبل أفول الأتحاد السوفياتي عام 1989، وقبل بروز فراغ القوة الكونية الذي أحدثه الأنهيار عام 1990، ومخططاتها في هذا الجانب ضرب معاقل القوة الأقليمية، ومنع بروز التعددية القطبية.. وهكذا كان فعل الأختراق الأستراتيجي لوسط آسيا خطوة يليها التفكيك والتحويل والإلحاق الى حاضنة الغرب العسكري (الناتو)، أما الصين فأن جيوش الناتو بقيادة أمريكا على تخومها سيضعها، حسب الزعم الأمريكي، في حالة الدفاع، وحالة التحجيم، وحالة المنع من إرساء أسس التحالفات، وكل هذه السلسلة من التدرجية الأستراتيجية لم تتحقق ما دام التنين الصيني ما يزال يعتقد بحكمة (كونفوشيوس) و (دينغ تشياو بنغ) و (ماوتسي تونغ)، ومن صفاته الثقافية والتاريخية أن لا أحد يستفز التنين أبداً، ومع ذلك، فأن الجيوش الأمريكية ما تزال تراقب مؤتمرات (شنغهاي) لتمنعها من أن تبلور جانباً إستراتيجياً يقوض محاولة الإمبريالية الهيمنة على العالم بقطبية أحادية. هذا هو الهدف الأساس في ضربة أفغانستان يتبعها تأمين حماية تدفق إمدادات النفط من بحر قزوين حتى ميناء شيحان التركي.
والعبرة هنا ليس في أن تخطط الدول العظمى والكبرى وغيرها، وكيف تضع ستراتيجياتها، وتحدد وسائلها وأهدافها، إنما العبرة في التطبيق، وفيما إذا كان بالإمكان تحقيقها، ومستوى مقاومة الواقع المراد تغييره وتفكيكه والهيمنة عليه، ومدى تشابكاته وتعقيداته.

والتساؤل هنا.. هل تنسحب أمريكا من أفغانستان؟ وهل أن إنسحابها سيكون على حساب تعزيز وجودها في العراق؟ ثم هل أن أمريكا قادرة على البقاء طويلا في العراق على أساس الإتفاقية الأمنية طويلة الأمد؟ وهل أن الوضع الإقتصادي الأمريكي المتداعي نحو الهاوية سيرغم أمريكا على الأنسحاب من أفغانستان والعراق؟
تساؤلات مشروعة، والمؤشرات كلها تشير الى أن أمريكا قد خسرت وجودها السياسي والعسكري في افغانستان، فهي ترمي الى الإنسحاب بطريقة (مشاركة طالبان في حكم أفغانستان)، ولكن الرغبات ليست حكراً على أمريكا، كما هي الإرادات، فلطالبان رغباتها وإرادتها التي تؤكد على طرد المحتل الغازي، والشيء الوحيد الذي تقدمه لهذا المحتل هو أن تتركه يرحل بسلام إذا ما اعلن إنسحابه بشروط المقاومة الأفغانية، كما هي شروط المقاومة الوطنية العراقية، بالرغم من إختلافات في السياسة وإختلافات في طبيعة الصراع القائم في بيئتين مختلفتين.
النقلتان الأمريكيتان في كل من افغانستان والعراق، والتي أرادت الأمبريالية منهما أن تهيمن على العالم بتكريس القطبية الأحادية، قد واجهت مقاومة صلبة وكبيرة باتت مصدراً متزامناً للإستنزاف الأمريكي، عسكرياً وإقتصادياً وسياسياً لم تعد القيادة السياسية الأمريكية قادرة على مواصلتها ما تسميه (حربان في آن واحد)، تلك الفلسفة السياسية التي هرع بعض المنظرين الصهاينة الى تأطيرها بإتجاه يخدم مصالح (إسرائيل)، لم تعد قابلة للتطبيق في ضوء النزيف المستمر الذي تعانيه قوات الإحتلال في أفغانستان والعراق، والذي وضع القيادة السياسية الأمريكية أمام خيارين لا ثالث لهما : إما إستمرار الإحتلال وقبول إستمرار النزيف الي يفضي الى الإنهيار والهزيمة الحتمية، وإما التراجع والإعتراف بالأمر الواقع الذي ينطوي أيضاً على الهزيمة.. ولكن إذا ما إختار الإمبرياليون التراجع، فهذا لا يعني الإنسحاب بصورة مفاجئة وسريعة، إنما ستجد لعبة الإختراق المخابراتية طريقها لتشطير الواقع المناهض للإحتلال وعلى أساس (المصالحة الوطنية)، التي فشلت في العراق فشلاً ذريعاً، وعلى أساس (المشاركة في الحكم) كما تبدو بوادر هذه اللعبة في أفغانستان.. هاتان اللعبتان إذا ما فشلتا، وهما فاشلتان اساساً، فأن الداخل الأمريكي سيكون له فعله المؤثر في حسمية الصراع على أرض أفغامستان، وعلى أرض العراق.
ولكن، هل التسليم سيكون بهذه السهولة والسلاسة؟ وللإجابة، أن مثل هذا الخيار الذي يقر بوجود (حرب لا حربين في آن واحد) تضطلع التفرغ صوب إحداها الأكثر أهمية، والتي تشرف على أكثر المقتربات الأستراتيجية إحتقاناً وتوتراً (الخليج العربي- نفط الخليج العربي- مضيق هرمز- البحر الأحمر- قناة السويس- القرن الأفريقي- وفلسطين وسوريا ولبنان ومصر).. والعراق في قلب هذه المعادلة، وهو يمثل (قبر) الأمبريالية إذا أصرت على إبقاء قواتها فيه تحت ذريعة الإتفاقية الأمنية طويلة الأمد.. وشعب العراق لا يرحم بقاء القوات الأجنبية على عتبات أبواب منازله، ولا يرغب في بقائها في طرقاته وشوارع مدنه ولا حتى في أجوائه ومياهه. ولا أحد يرمي لقوات الإحتلال طوق نجاة في العراق إلا العملاء والجواسيس واللصوص.. إنه النزيف الذي لا يرحم الداخل الأمريكي الذي يأكله الإنهيار.
فمتى تتعظ الإمبريالية الأمريكية من حقائق التاريخ؟
شعب العراق العظيم قصم ظهر الإمبراطورية البريطانية من قبل، وشعب أفغانستان قصم ظهر الجيش السوفياتي من قبل.. والآن، يأتي دور الإمبريالية الأمريكية، الذي يوشك أن يقصم ظهرها في أفغانستان والعراق.. إنها مسألة وقت وإرادة مقاومة.. فلننتظر..!!
15/10/2008

ليست هناك تعليقات:

آخر الأخبار

حلبجة.. الحقيقة الحاضرة الغائبة

إقرأ في رابطة عراق الأحرار