الخميس، يناير 06، 2011

أخي جورج



بقلم: داود البوريني
أنا أعرف جيداً ما هو شعورك بعد أن هزّت عواصف العدوان وضربت أعاصير النار بلادنا بكل قسوة في السنوات المائة الأخيرة.

لقد حاول أجدادنا بكل ما أوتوا من علم ومقدرة أن يخففوا من آثار الإعصار الغربي قدر استطاعتهم، هم أحياناً نجحوا لكن في معظم الحالات فشلوا على الرغم من ملايين الشهداء الذين توسدوا سهول هذه الأمة وجبالها وغاباتها من الأوراس الى عدن، لا أعتقد أنه توجد عائلة عربية واحدة لم تقدم واحداً أو أكثر من أبنائها على مذبح حرية هذه الأمة في تلك الفترة، ولقد تحمّلت أنت برجولة كما تحمّلت أنا، بكـَيتَ أنت من الهزائم تماماً كما بكيتُ أنا وفرحنا معاً لانتصارات أمتنا في الأوراس والسويس والجولان وعدن وغزة وبيروت، ولقد افتخرنا معاً بشهدائنا، كل شهدائنا ومجاهدينا، من سليمان الحلبي الى عمر المختار الى الشريف الحسين بن علي ويوسف العظمة وجمال عبدالناصر والملك فيصل بن سعود  وجورج حبش وجورج حاوي ، لن ننسى لا أنا ولا أنت دماء الشهداء في الكرامة وبيروت والجولان وابو زعبل وبغداد، كيف ننسى هذا وقد عشناه معاً بكل ما فيه، كما عملنا دوماً لنقدم لهذه الأمة كل مانستطيع.


أخي جورج، أستاذ التاريخ والمثقف مثلك يعلم تماماً أن أخاه العربي المسلم هو أخٌ حقيقيٌ له، إنه يعلم بأننا معاً كنا على هذه الأرض المباركة منذ آلاف السنين كنا وثنيين معاً ثم أصبحنا مسيحيين معاً ثم منا من ظل على مسيحيته مثلك ومنا من أصبح مسلماً مثلي، لكن هذا لم يغير في جوهر الأمر شيئاً فأنت أخي ودمك دمي ولحمك لحمي ولن تكون إلا هكذا.


أنت تعلم جيداً أنه على مدى ناريخنا لم تقم بيننا لا مذابح ولا مكاره ولم يتعمّد أيٌ منا أن يؤذي الآخر أو أن يطعنه في ظهره، وعندما حصل هذا في صبرا وشاتيلا لم يكن جورج هو القاتل بل كان العملاء والخونة هم القتلة، وهؤلاء لا دين ولا مذهب ولا وطن لهم، ولو ادّعوا خلاف ذلك وتعلّقوا بأستار الكعبة أو أجراس كنيسة القيامة.


إنّ مانتعرض له الآن من إيذاء واعتداء لم أقم به هنا أو أي من أصدقائك وجيرانك وأخوانك المسلمين الآخرين، فالمسيحيون في الشرق مثل المسلمين  تماماً تعرّضوا للهجمة الغربية بعد الحرب العالمية الأولى ثم الهجمة الصهيونية المجرمة المدعومة مع المسيحية المتصهينة والتي لا علاقة لها أبداً بالمسيحيين العرب من أي مذهب كانوا، هم الذين قتلوكم كما قتلونا، سرقوكم كما سرقونا وهجّروكم كما هجّرونا وسيظلون كذلك اذا لم نقم أنا وأنت للدفاع عن أنفسنا، ندافع معاً كما كنا دوماً معاً.


أخي جورج، أنت توأم روحي فأنا لا أستطيع أن أتخيل دجلة بدونك أو شارع أبي نواس أو الشورجة، لن تكون حلب نفس حلب ولا صدنايا هي صدنايا ولا بيت لحم هي بيت لحم ولا مأدبا هي ذاتها ان لمم تكن أنت فيها معي، نأكل ونشرب ونعمل ونغني وعندما تموت تـُدفن مثلي في باطن أرض العرب المباركة، أمّنا جميعاً.


سمعت أنك تريد أن تهجر أرضك وأهلك وترحل ياجورج، لم أعرفك جباناً أبداً حتى تهرب، لم أعرفك بخيلاً حتى تبخل على وطنك-كل وطنك- بمالك وحياتك ودمك فلطالما كنت شجاعاً مقداماً وكريماً.


اذا هربت ياجورج وتركت أرضك لأي سبب فإنك تكون قد نفّذت مايريده أعداء أمتك منك، أوروبا وأمريكا لا يفتحون الأبواب لأنهم يحبونك، فلو كانوا يحبونك لقدّموا لك الحماية في العراق بدلاً من ان يقوموا بحماية وزارة النفط أو لقدموا لك الحماية في بيت المقدس وبيت لحم ويافا وحيفا وبيروت، ولما تركوك كما تركونا أهدافاً لبنادق اليهود وصيداً لطائراتهم، انظر إليهم كيف جعلوا من أبناء غزة أهدافاً لبنادقهم فبدلاً من أن يطاردوا الحيوانات ويصطادوها أصبحوا يتسلّون بأبناء العرب، كل العرب، مسلميهم ومسيحيهم، هل تذكر فيلم الجندي الأزرق Soldier blue أو صائد الغزلان؟ هكذا أصبحنا لهم صيداً، تماماً مثل الهنود الحمر.
لكن هل نحن هنود حمر مع احترامي للهنود الحمر، فنحن من طينة مختلفة ولطالما كنا مكافئين للغرب في القوة والبأس ولكنا لن نكون أبداً مثل الغرب في المكر والغدر والذرائع والإجرام.


تحمّل ياجورج واصمد في أرضك فإنّ الشجاعة صبر ساعة، تحمّل ياجورج وابقَ معي هنا لندافع عن وجودنا معاً، اذا قاومت فإنك تساعد نفسك أولاً والجميع بعدها سوف يقف معك، لكنك اذا هربت فلا أحد يستطيع أن يمنعك من الهروب، ابقَ ياجورج في بلادك ولا ترحل.


أنا أعلم بأنك غاضب لأن عملاء الأميركان قد هاجموا بنذالة كنيسة سيدة النجاة، ولا تنسَ يا أخي بأنهم قد أحرقوا المسجد الأقصى قبل ذلك بكثير وهدموا مئات المساجد على طول بلاد الشام وعرضها، إن رحلت ياجورج ستأخذ عائلتك معك فمع مـَن سيلعب ابني أحمد عندما يهاجر ابنك عيسى ومع مـَن ستلعب ابنتي مريم عندما تهاجر ابنتك مريم  ومع مـَن ستتزاور زوجتي؟قل لي بربك مع مـَن سنقضي ليلة عيد الميلاد ورأس السنة؟ مـَن سيشرب معي قمردين رمضان ويتناول معي خروف العيد؟
أخي جورج رجاءً لا ترحل...


لا تتركني وحيداً حزيناً ياجورج....


لا تهرب ياجورج لأن القتلة لن يطول بهم المقام بيننا فهذه أمة كالبحر تماماً تلفظ الجيف أو تحللها




ليست هناك تعليقات:

آخر الأخبار

حلبجة.. الحقيقة الحاضرة الغائبة

إقرأ في رابطة عراق الأحرار