الأحد، ديسمبر 12، 2010

المبررات العراقية لضم الكويت عسكريا



قبل ان ادرج المقال الثاني من سلسلة المقلات التي حررها المرحوم الدكتور فاضل الجمالي، ابان أزمة الكويت، أود أن أعبر عن جزيل شكري وامتناني للسادة الذين ارسلوا لي رسائل بعد نشر المقال الاول بعنوان ( ما أعرفة عن علاقات العراق بالكويت). حمل قسم منها اطراءً لا أستحقه، طالبين الاستمرار في نشر الشهادات على التاريخ لكي يطلع الجيل الجديد من ابنائنا على صفحات من تاريخنا ومواقف الرجال المخلصين الشجعان الذين احبوا العراق واحبوا عروبتهم ودينهم الحنيف، تلك الصفحات
المشرقة التي يحاول العملاء وخونة الامة والوطن الان مسخها وحذفها أو تزويرها.
أما الرسائل التي حملت الذم والتقريع، فلايسعني الا ان اقول لهم شكرا لانهم قرؤا المقال الذي حفز فيهم بعض كوامن نفوسهم ليظهروها للعلن، ثم أرجوهم واقول اقرؤا التاريخ بتجرد وحيادية وانظروا الى الرجال بعيون مبصرة غير التي كنتم تبصرونهم بها في السابق.
ومن الرسائل التي وردتني مشكورا، تعقيب من سيد فاضل، اضافت معلومة جديدة لمواقف المرحوم الجمالي، ففي العام 1995 وجهت سكرتارية الامم المتحدة دعوة باسم الامين العام للمنظمة ،الى المرحوم محمد فاضل الجمالي لحضور الاحتفال باليوبيل الذهبي لتأسيس الامم المتحدة باعتباره أحد الاحياء الموقعين على تأسيس الامم المتحدة عام 1945 الا أنه رفض الدعوة قائلا أن الامم المتحدة أصبحت ألعوبة بيد أمريكا ولفرض الحصار الاجرامي الجائر على العراق. لنقارن هذا الموقف بموقف الخونة الذين كانوا يدعون المعارضة للحكم الوطني وتدبج التقارير الكاذبة وتعمل مع اللوبي الصهيوني لتشديد الحصار الجائر على العراق واستمراه. صدق من قال أن الرجال معادن.
في المقال الثاني يطرح الجمالي تصوراته عن الاسباب الحقيقية الكامنة التي ادت الى انفجار الازمة. يشخص فيه تشخيصا دقيقا وواعيا لأهم تلك الاسباب، تشخيص يليق بفكر رجل دولة من طراز محمد فاضل الجمالي رحمه الله.
يكاد المرء يسمع صرختة ،تزلزل أعماقه المسكونة بوحدة الامة العربية ومستقبلها، وهويشهد تشرذم الامة العربية خلال الازمة. فماذا عساه سيقول لو نهض الان من رفاته ليرى ان نصف البلاد العربية، ليست تحت الحماية الامريكية، بل انها محتلة فعلا وتحكم من قبل سفرائها. ماذا عساه سيقول وهو يرى ان عراقنا العزيز يحتله الامريكان والصفيون الفرس والصهاينة؟!!
يقول الجمالي في مقدمة كتابه ( مأساة الخليج والهيمنة الغربية الجديدة ) : أما يجدر بنا أن نضع لامتنا ميثاق شرف قومي متفقا عليه يعبر عن الرسالة التي تحملها أمتنا الى الانسانية جمعاء، رسالة التوحيد والاتحاد، رسالة العدل والاخاء ، رسالة السلام لمحبي السلام في كل أنحاء العالم، رسالة تعبر عن آمالنا كأمة تنشد الحياة وتعتز بالكرامة والشرف وتبحث عن موقعها بين أمم العالم الحر المتمدنة؟
وفيما يلي نص المقال:
(( لانعرف بالضبط المبررات العراقية لضم الكويت عسكريا، لا من حيث الاسلوب ولا من حيث التوقيت، فلا يعرف ذلك الا القادة المنفذون. ولكننا نعرف عن وجود دوافع لدى الواعين من القوميين العراقيين تستدعي وحدة العراق والكويت وهي دوافع مكشوفة ومعروفة نذكر أهمها:
(1) الدافع الوطني : ان المثقفين من العراقيين يعرفون بان الكويت جزء طبيعي من الوطن العربي بسط عليه الانكليز حمايتهم ولما زال عهد الحماية فلابد من عودة الجزء الى الكل.
(2) الدافع العقائدي : من المعروف ان العراق يحكمه حزب البعث العربي الاشتراكي وهو حزب قومي عقائدي ثوري، ومن مبادئه الاساسية وحدة الامة العربية ووحدة الوطن العربي من الخليج الى المحيط فالحدود بين الدول العربية اليوم ليست من تخطيط العرب أنفسهم، انها من تخطيط الاستعمار ، فالاستعمار فيما مضى مزق الوطن العربي ليستولي عليه بسهولة ولما نالت القطع الممزقة استقلالها السياسي احتفظت بالحدود التي رسمها المستعمر ولناخذ اقطار العراق والكويت وسورية والاردن والسعودية مثلا، هل تفصل بين هذه الاقطار حدود طبيعية؟ اليست الصحراء هي منبت العشائر التي تسكن هذه الاقطار؟ فآل الصباح ينتمون الى قبيلة " عنزة" وكذلك آل السعود ولكن عنزة تسكن العراق وسورية والاردن ايضا. اذن فهذه الاقطار ( الجزيرة والهلال الخصيب) تشكل وحدة طبيعية جغرافيا وبشريا. يصدق القول على دول الخليج واليمن وعمان فنحن أمة واحدة، فما حصل من ضم العراق للكويت هو تصحيح لهذا التشتيت والتفتيت الذي خلفه الاستعمار من وجهة نظر عقائدية. من المؤلم حقا أن تصبح الوحدة العربية أمرا مخيفا لدى بعض حكام العرب في الوقت الذي يسير العالم فيه نحو التكتل وتتحد سياسيا وعسكريا واقتصاديا وثقافيا بالرغم من تعدد أقوامها وتنوع لغاتها وثقافاتها.
(3) حاجة العراق الى منفذ الى البحر المتوسط والخليج: فالعراق البلد الغني بثروته الطبيعية (من معادن واراضي وأنهار) وبأمكانياته البشرية لامنفذ له الى البحر فلا يستطيع الاتصال البري والبحري بالعالم الخارجي مباشرة.
ولقد حاول أن يحقق أتحادا مع سورية وأن يحقق اتحادا مع الكويت ولكنه لم يفلح لاعتراض بلدين شقيقين هما مصر والمملكة العربية السعودية فيما مضى، فمصر وهي تتولى زعامة العالم العربي لا تريد أن ينافسها في البروز والقوة أي بلد عربي كالعراق!! والسعودية كانت تخشى أن يختل توازن القوى بين البلاد العربية فيطمع العراق في الاستيلاء على جزء من بلادها. الامر الذي دل على أن التفكير القومي العربي لم يزل متخلفا عند بعض زعمائنا. نحن أمة واحدة والزعامة ليست حكرا على بلد عربي دون آخر، ولو أتحدنا جميعا لقام الزعماء والعلماء والاخصائيون في مشرق البلاد العربية ومغربها وشمالها وجنوبها. أما مبدأ التوازن فلا محل له في أمة متحدة فمشرقها يكمل مغربها وشمالها يكمل جنوبها وعلى كل فان قيام العقبات في سبيل الاتحاد لقي دعما وأستغلالاً من الدول ذات المطامع والمصالح في البلاد العربية ومن أعداء الامة العربية فهذه الدول تريد ابقاء العرب مشتتين ضعفاء عالة على الغرب يطلبون منه الحماية وها هي أسرائيل اليوم تدفع الولايات المتحدة لتقف مانعا في طريق تحقيق العراق الاتحاد مع سورية والكويت وأوجدت خصومات وعداوات بين العراق وهاتين الدولتين.
ولكن حاجة العراق الى منفذ على البحر المتوسط والى الخليج هي حقيقة قائمة فقد قاسى العراق في تاريخه المعاصر الأمرين من قطع النفط عن طريق سورية بعد أنقطع نفطه عن حيفا عند تأسيس أسرائيل، أما الكويت فبعد أن تعذر الاتحاد معها في العهد الملكي فانها ستبقى حيوية كمنفذ للعراق الى الخليج مهما تقلبت الظروف، وقد يكون عدم تأجيرها جزيرتي وربة وبوبيان للعراق من العوامل التي دفعت العراق الى مغامرته الاخيرة.
(4) عدم اسعاف العراق في محنته المادية : خرج العراق من حربه مع أيران مثقلا بالديون وفي الحاجة الى المال والكويت الدولة الغنية لم تسعف العراق ماديا ولم تلغ الديون ثم أنها تصدر من البترول مايتجاوز نصيبها المقرر لتغرق الاسواق وتهبط الاسعار وتلحق بالعراق الاضرار، ثم أن العراق يدعي بأن الكويت معتدية على أراضي عراقية تنتج النفط منها وتبيعه وهو نفط عراقي.
ولما كان العراق يعتبر أن حربه مع أيران كانت حربا وقائية تحمي دول الخليج خاصة والبلاد العربية عامة من الثورة الاسلامية في أيران فأنه كان يتوقع من دول الخليج مساهمة في دفع نفقات الحرب كما تفعل اليوم في مساهمتها في دفع نفقات الجيوش والاساطيل الامريكية.
(5) لما كان حزب البعث العربي اشتراكيا، فأنه يعتبر أن نفط العرب هو للامة العربية كلها وليس من الانصاف أن تتولى نخبة صغيرة من أبناء الامة ، ملكية هذه الثروة العظيمة بينما تبقى الشعوب العربية محرومة فقيرة، فالاقلية تمني بالتخمة وبالترف والاسراف والاكثرية حقوقها مهضومة.
ففي الوقت الذي تودع فيه الكويت الوف الدولارات في بلاد الغرب تبقى البلاد العربية المحرومة من النفط في حالة عوز وتمد يدها طالبة المعونة من الغرب أنه تصرف يجلب الانتقاد الحاد.
(6) عدم ربط الاقتصاد بالسياسة: من المعلوم أن ارتفاع سعر النفط من خمسة دولارات الى العشرين دولار جاء نتيجة لاستعمال النفط كسلاح سياسي عام 1973 ( من قبل الملك الشهيد فيصل بن عبد العزيز) من أجل فلسطين، فلفلسطين الفضل في حصول الدول النفطية على هذه الثروات الطائلة.
ولكنا نتسأل لماذا لايستمر العرب ومن ضمنهم الكويت على أستعمال الاقتصاد كسلاح لاحقاق الحق الفلسطيني؟ ان التمويلات الكويتية الجسيمة في بريطانية والولايات المتحدة لم ترافقها المساومة لانصاف الفلسطينين في وطنهم والاشتراط بأن تقف الولايات المتحدة على الحياد على الاقل بدل أن تكون عونا لأسرائيل على سحق الحق العربي.
ان الدول العربية عامة واصدقاء أمريكا منهم خاصة يتحملون مسؤولية التهاون في معالجة القضية الفلسطينية والانصياع لما تقرره أمريكا واعتمادهم على أمريكا والقعود مكتوفي الايدي اذا لم تتحرك أمريكا . ونحن نعلم حق العلم، أن أمريكا مضطرة لتعمل في صالح اسرائيل والدفاع عما تريده اسرائيل. ان اندفاع الكويت وراء الولايات المتحدة من دون كسب حياد الولايات المتحدة ( على الاقل) في القضية الفلسطينية جعل العراق يشكو من سياسة الكويت الممالئة للغرب في حقل الاقتصاد.
(7) طلب الحماية الامريكية : ان الكويت مسئولة قبل غيرها عن تبرير مجئ الولايات المتحدة لتكون حامية لدول الخليج حتى أصبح الخليج اليوم منطقة نفوذ الولايات المتحدة تتولى حمايته عوضا عن بريطانيا. ومن يدرس تأريخ الاستعمار الحديث يعلم بأن الاستعمار طالما بدأ بدعوة من دولة ضعيفة لدولة قوية تتولى الحماية والتدخل في الشؤون الداخلية والخارجية وان عودة الحماية الى البلاد العربية اليوم يعني تنكرنا لتاريخ أمتنا المعاصر وتضحيات مئات الوف بل ملايين الشهداء الابرار لانقاذ الوطن العربي من الحماية والاحتلال الاجنبي، فالكويت بدأت بطلب الحماية من أمريكا لتحمي سفنها وترفع العلم الامريكي عليها. وها هو رئيس وزرائها اليوم يطالب بقوة أمريكية دائمة مرابطة في الخليج!!!!
(8) عدم دعوة العراق للانتماء الى مجلس التعاون الخليجي مع أن العراق قطر خليجي وصلاته مع العالم الخارجي كانت وماتزال عن طريق الخليج منذ فجر التاريخ الى يومنا هذا. فلو كان العراق عضوا في مجلس التعاون الخليجي لكان في الامكان التغلب على العديد من المشاكل المالية والسياسية التي ادت الى الوضع الحرج اليوم.
(9) كان المأمول أن لاتبتعد الكويت عن العراق في الحقل السياسي الدولي على الاقل. لكن ماحدث هو أن الكويت مارست التغرب والابتعاد عن العراق والترفع على أهله. حتى أن بعض العراقيين بدأوا بالشعور بأن الكويتي يتعالى عليه ويتفاخر لما يحمله من ثروة بينما العراق أصبح فقيرا نسبيا بسبب خروج العراق مثقلا بالديون بعد الحرب وهبوط سعر الدينار العراقي في الاسواق بشكل مشين.
(10) بعد أن سدت أبواب الحوار والمفاوضة حول التوحيد وحول المشاكل المالية والجزيرتين والحدود بصورة أخوية ركبت الحكومة العراقية المركب الخشن فقامت باجتياح الكويت والسبب الاساسي في ذلك يعود الى الكويت والدول العربية التي تخشى عراقا قويا بوحي ودعم من الدولتين العملاقتين الولايات المتحدة وبريطانيا ووفق مخطط صهيوني استعماري قديم.
وبعد فهذه وجهة النظر العراقية كما فهمناها وتصورناها حول المبررات لاجتياح الكويت وضمه الى العراق، لاشك في أن للكويت وجهة نظر مقابلة ترد على بعض ما جاء أعلاه. وكم تمنينا لو تم لقاء أخوي لأجل التفاهم بين الطرفين بصورة حرة هادئة في جو بعيد عن المؤثرات الخارجية. ولكن ذلك لايتحقق حتى يتحقق السلام وتهدأ الاعصاب. )) أنتهى نص مقال الدكتور محمد فاضل الجمالي رحمه الله.
وفي المقال الثالث يتحدث المرحوم عن العواقب الخطيرة لأجتياح الكويت عربيا ودوليا.
ما ضاع حق ورائه مطالب
وجدي أنور مردان
بغداد المحتلة- كانون الاول 2010


ليست هناك تعليقات:

آخر الأخبار

حلبجة.. الحقيقة الحاضرة الغائبة

إقرأ في رابطة عراق الأحرار