الاثنين، مايو 05، 2008

لماذا يحب العراقيون العراق؟


كتابات أبو الحق
الثالث من مايس
2008



ليس سؤالا بسيطا ولا هو بالسخيف, أرجوكم لا تتوهموا فيه الوهائم..إنه سؤال يطرح نفسه ويشيلهه ويمطلهه عالكاع , سأله قبلي كل من تهيأت له الفرصة للعيش في بلد آخر غير العراق..
كل الناس تحب أوطانها, لسبب أو لآخر, والقضية مرتبطة بالتعوّد على ملاعب الطفولة إبتداءا, كما أحسب, لتعقبها إلتزامات أخرى من وزن أصدقاء الصبا وجيران كل بيت ينتقل إليه الفتى, وخصوصا بنت الجيران تلك في حياة كل واحد منهم ,وشتى الأسباب الممكن تصورها, وأترك المايكروفون للأخ مالك علي من الأردن, ليسرد أسبابه التي تدفعه لحب المملكة أكثر من غيرها, ..أنا شخصيا لا يحق لي إلا بتمثيل نفسي, لكن أنا اليوم أتصور أشياءا كثيرة تساهم برسم عبارة " العراق"..

قد يستغرب البعض لو وجد عبارة " جوّ العراق الجهنمي" من ضمن الأسباب التي تكرّس حب العراق في قلوب العراقيين, فالعراقيون هم أكثر الناس في العالم كله تأثرا بحرّ الشمس اللاهبة , وليس ذلك لمجرد قربهم الفلكي منها, وإنما لأن ساعات دوامهم الرسمي, وروتين المعاملات وحقارة الموظفين و بيوقراطيّة المدراء المتعاقبين, و تكرّر حرمانهم من الكهرباء والوقود بما لا يتناسب مع مقدرات بلدهم, كل ذلك مضافا إليه ترسيخ فكرة أن العيش الشريف والوطني الذي يجلب رضا الحجّي والحجيّه و وكيل الحصّه التموينيّه , و حجّي خيّون أبو الباكَلّه والزايره ضويّه, أم الخضورات ذيج اللي إبراس العكّد تبسّط إبكل صبحيّه, ومن قبلهم كلّهم رب العالمين والأنبياء السبع والتسعين الذين حبانا الله بهم دونا عن العالمين كوننا حبّابين و خوش وِلِدْ, بينما الموريتانيين الهتليّه ما عدهم ولا نبي , لأنهو مو خوش أوادم!!!...لأن هذوله كلهم مَراح يرضون عن العراقي إذا ما وكَف إبحرّ تموز وآب اللهّاب من غير لجوء للظل والتبريد, سواء أكان لجوءا إنسانيا أو سياسيا أو من فصيلة أل " ليييييخ", حيث يبدّل الواحد عالخامس من أولهه ويقبّط سكليتر, من غير أن ينظر بالمرآة الأمامية أمامه مطلقا..
كذا صوروا قدر العراقي لنا فتعمدوا أن يحطموا نفسياتنا وإيماننا بوجود فسحة للأمل من يوم أن أمعنوا في الإصرار على أن درجات الحرارة في عزّ الحر ذاك لم تكن تتجاوز الخامسة والأربعين مطلقا, بينما الزئبق يتفايض من كل محرار, كما لو كان وغف حليب يفور على النار....من يوم أن كانوا يصرّون على أن البرد لم ينزل لكذا درجة تحت الصفر في جبال كَردمند وكَردَه كَو, وكل الجبال العديمة القلب والرحمة , مما يلي هيبت سلطان وكيوه رَش, حيث شهدت جنودا يبكون من ألم الإنجماد الذي ناب أقدامهم في قدم الخنادق تلك, فأقبلوا بيأس قاتل إلى المستوصف ليتم قطع أقدامهم مع البساطيل, لم تكن أقداما تنبض بالدفء أو الحياة , كانت كأغصان شجرة ماتت منذ عقود, بزرقة الموت تصبغها....ترحموا على أرواحهم , فقد فدوكم بأنفسهم وإن لم يكن بإختيارهم غالب الأحايين...
...هناك حكى لي صاحبي , الملازم عصام التركماني, كيف كان الضباط يكتشفون أنهم قد طُمروا بالثلج فوق ملاجئهم طمرا, لأن المصابيح النفطية أخذت تخبو تدريجيا لنفاذ الأوكسجين, وتطلب الأمر نبش الطريق بحفر الثلج مع مسار سلك الهاتف الذي وصّل لهم رسالة الأستنجاد....وحتى هناك أيضا, كان لا زال هناك من يصرّ على أن البرد لم يصل بعد حد التسهيل على المقاتلين , فكان يطالب القادة الميدانيين بوضع مانع التجمد "الأنتي- فريز" ذاك, لماء الراديترات لضمان عدم تجمد المحركات ليلا أو نهارا, ولم يقتنع ويصمت إلى أن أتوا إليه بالغالون البلاستيكي وبداخله الأنتي –فريز منجمدا "على حلّه"!!!
كذا مرت الأحداث على شريحة مفردة من جغرافية العراق لبرهة مقتطعة من الزمن في عين شخص واحد يرقبها , وكذا تم ترسيخ هذه الفكرة التي جعلت العراقيين يعشقون بلدهم غصبا عن خشمهم, إنه عشق إجباري, أسمّيه الأكتساب السلبي , ولا يسألَنّ أحد منكم نفسه لماذا لم تتوصل الدول الأخرى لهذه التركيبة السحرية كما فعلنا نحن, فمن العلم ما قتل!!!
وسط قتل لا ينتهي وضحايا يموتون كل ساعة, بل كل لحظة والله أعلم, وسط آلاف الأخبار المتناقلة بين كل زوجين من البشر يلتقيان أمامك فيتحادثان أو يتهامسان, فلان قتل, وفلانة إنفجرت عبوة أمامها, وفلان وأخوته إعتقل وسجن منذ أشهر, وذاك في أعقاب خطف والدهم وذبحه قبل سنتين من دون معرفة الجاني أو حتى سبب الجريمة...وسط كل هذا , تبقى علامة الأستفهام تفرض نفسها بعد العبارة تلك...لماذا يحب العراقيون العراق؟؟
هل لوروده والجوري والشبوي, يا أم محمد؟؟
هل حنينا لصحبة الجارة صباحا في سوق الخضار ذاك؟؟
هل شوقا لأكلات لها سحر خاص كنكهة الباكَلّه بالدهن والبيض, و البنّي المسكَوف , أم هو سحر وندرة عصير الرارنج ذاك؟؟
هل إلتصاقا بذكرى المقابر التي تؤوي الآباء والأجداد, أم للأديم الذي إختلطت به بقايا جثث أولاد بادوا, إختفوا, وما عادوا؟؟
هل هو العراق الذي لا يطيق فكاكا من ذاكرة العراقيين, أم هم العراقيين الذين لا يعرفون قفصا فسيحا له قلب كما هو العراق, يسقيك الماء بسخاء من دون طلب لثمن أو سؤال لعطاء؟؟
أم هو قدر رسم وشيجة لامرئية تشدّ العراقي لأرضه وتنادي فؤاده كلما شرّقَ أو غرّب,تناديه كي يلتفت للوراء؟؟
هل هي تلك الأبوذيّات, أم السويحلي أم نغمة الناي؟؟
هل هي القهوة أم الهيل تلك أم هو إستكان الشاي؟؟
هل هو تراث البصري والسيّاب, أم هي حتمية الحرّ كلّ تموز وآب ؟؟
هل هي ذكرى ناظم الغزالي, أم سحر صوت ياس خضر يغني في تلك الليالي؟؟
هل هو طعم شراب السوس أم ضيافة بائع اللبلبي الكردي في السليمانية ذاك؟؟
هل هي رائحة كرب النخيل وهو يحترق قرب جسر الصرافية أم لذة الغداء على أعشاب السيسبان في مزرعة فراتية؟؟
هل هي رائحة الطين على شواطيء دجلة , أم هي نسائم الخريف أول حلوله تنبيء بحلول رحمة الله المبتغاة؟؟
هل هو كرم الضيافة من كل صديق مما لم أجد له نظيرا في أيّ بلد مجاور, أم هي وحدة المصير بمواجهة البارود والدم والموت كل تلك السنين؟؟
هل هو تعانق الأذان في فجر كل مدينة بلدة أم هي صلوات العشاء والتراويح كل أمسية رمضانية؟؟
هل هي صحون القيمة والهريسة التي كنت تتَعنّى لتقدمها لي كل موسم, أم هي وقفة جاري المسيحي بصفي كما لو لم يكن هناك شيء يفرّق بيننا فعلا؟؟
قل لي أرجوك, قل لي, فأنا أحتاج لجوابك كل إحتياج!!

هؤلاء و تلك الأشياء رسمت شكل العراق عندي..
السؤال واحد وهو موجّه للكل, لكن الإجابة قد تكون ملايينا من الإجابات....من يعلم!!
أنا أرى أن الأناس الرائعين من العراقيين يمتلكون كمّا من روعة الخلق وطيبة القلب وعرض الأبتسامات يغرق ألف إساءة من غيرهم من السيئين من العراقيين , والذين هم نقيض هذه الصورة...أنا لا أستطيع أن أنسى أخي الشهيد خالد دوح, لا أستطيع أن أنسى محبتي للنائب ضابط علي هامل, فآخر مرة قابلته فيها كانت قبل 27 سنة, ومدينته هي الناصرية, ابعد شيء عن بلدي الحالي تقريبا, لكن يوم أن ألقاه , مؤكّد لي أنني لن أكتفي بتقبيل وجهه عشرين مرة...لقد قلتُ لكم أنني لم أعرف الطائفية مطلقا, فهذا الرجل لم أخالطه أكثر من أشهر متعددة لكنه يستأجر شقة وسط قلبي..

في داخل عقلي واحة مستترة , ألجأ إليها كلما ضايقتني دنياي, فيها صورتك أنت يا خالد , أحسبك لم تمت بعد
في عقلي نُجيمة جدّ صغيرة مفردة, ارتقي إليها بيسر كلما أرهق السير العسير قدماي
زوّادتي و غاية أمتعتي فيها هي الخيال, لا توقظني رجاءا, فهناك لا أحسّ بأي ألم
هل ستصحبني في رحلتي إليها؟



ليست هناك تعليقات:

آخر الأخبار

حلبجة.. الحقيقة الحاضرة الغائبة

إقرأ في رابطة عراق الأحرار